«لم أقصد أن أجرحك».

جملة نقولها أحيانًا دفاعًا عن أنفسنا، وننتظر أن تكون كافية لإنهاء الخلاف. فنحن نعرف ما كان داخلنا لحظة التصرف: لم نرغب في الإهانة، ولم نتعمد التقليل من الطرف الآخر، وربما كنا مرهقين أو خائفين أو نحاول فعل ما رأيناه صحيحًا.

لكن الطرف الآخر لا يعيش داخل نياتنا. ما وصل إليه هو الكلمة، أو القرار، أو الصمت، أو الطريقة التي عومل بها.

وهنا قد يتوقف الحوار عند سؤالين مختلفين: طرف يقول: «لماذا تحاسبني على شيء لم أقصده؟» والآخر يقول: «ولماذا تتجاهل ما حدث لي لمجرد أنك لم تقصده؟»

حسن النية قيمة مهمة، لكنه لا يمحو أثر الفعل تلقائيًا. وفي المقابل، وقوع الأذى لا يثبت بالضرورة وجود نية سيئة. يمكن أن يكون الاثنان صحيحين في الوقت نفسه: لم يكن هناك قصد للإيذاء، ومع ذلك وقع الأذى.

المشكلة أن بعض الخلافات تتحول إلى محاكمة للنوايا. يحاول كل طرف إثبات حقيقة ما بداخله، بينما يظل ما حدث بينهما بلا إصلاح.

يقول الزوج: «كنت أريد حماية البيت من القلق، لذلك لم أخبرك بالمشكلة المالية». وتقول الزوجة: «لكنني شعرت أنني مستبعدة من قرار يخص حياتنا». قد تكون رغبته في الحماية صادقة، وقد يكون شعورها بالاستبعاد مفهومًا. الاعتراف بأحد الأمرين لا يستلزم إلغاء الآخر.

لماذا ندافع عن النية بهذه القوة؟

لأن الاعتراف بالأثر قد يبدو كأنه اعتراف بسوء الأخلاق أو فساد المقصد. حين يقول الطرف الآخر: «هذه الكلمة آلمتني»، قد نسمعها داخليًا هكذا: «أنت شخص مؤذٍ»؛ فنبدأ فورًا في الدفاع: «أنت فهمت الكلام بطريقة خاطئة»، أو «أنت حساس أكثر من اللازم».

لكن الطرف الآخر قد لا يكون بصدد إصدار حكم كامل على شخصيتنا. قد يكون فقط يحاول وصف ما حدث داخله. الاعتراف بالأثر لا يعني قبول كل تفسير يقدمه الآخر، ولا يعني تحمل مسؤولية كل مشاعره. لكنه يعني عدم استخدام النية الطيبة لإغلاق الحديث قبل فهم المشكلة.

الاعتذار ليس اعترافًا بنية لم تكن موجودة

يمكن القول: «لم أقصد أن أقلل منك، لكنني أرى أن طريقتي أوصلت هذا المعنى، وأنا آسف على ذلك». هذه العبارة لا تنسب إلى النفس قصدًا لم يحدث، لكنها تتحمل مسؤولية الأسلوب والنتيجة.

أما القول: «أنا آسف لأنك فهمت الكلام هكذا» فهو يبدو اعتذارًا، لكنه يعيد المشكلة كلها إلى طريقة فهم الطرف الآخر.

الاعتذار الصادق لا يحتاج إلى جلد الذات، ولا إلى إعلان أن شخصًا واحدًا هو المسؤول عن تاريخ الخلاف كله. يحتاج إلى تحديد ما حدث، والاعتراف بأثره، ثم بيان ما سيتغير. فإذا تكرر التصرف نفسه بعد كل اعتذار، تصبح الكلمات وسيلة لتهدئة اللحظة، لا لإصلاح العلاقة.

النية تحتاج إلى سلوك يترجمها

من يحب أسرته لكنه لا يصغي إليها، لن تصل محبته دائمًا بالصورة التي يتخيلها. ومن يريد حماية شريك حياته لكنه ينفرد بالقرارات، قد يحوّل الحماية إلى سيطرة من دون أن ينتبه. ومن يقصد النصح لكنه يستخدم التحقير أو المقارنة، قد يجعل النصيحة بابًا للجرح.

ليست الدعوة هنا إلى الشك في النيات الطيبة، بل إلى احترامها بما يكفي لترجمتها إلى سلوك يراه الآخرون ويشعرون به. فالرفق ليس نية فقط، والتقدير ليس شعورًا داخليًا فقط، وتحمل المسؤولية لا يكتمل ما لم يظهر في طريقة الحوار واتخاذ القرار وإصلاح الخطأ.

خطوة عملية

عند وقوع خلاف، يمكن تأجيل الدفاع للحظات، ثم إكمال العبارات الآتية:

  1. ما قصدته كان…
  2. ما أرى أنه وصل إليك هو…
  3. الجزء الذي أتحمل مسؤوليته هو…
  4. ما أستطيع تغييره في المرة القادمة هو…
  5. ما أحتاج إلى فهمه من وجهة نظرك هو…

لسنا مطالبين بقبول كل اتهام حتى نثبت حسن نيتنا، لكننا مطالبون بألا نجعل حسن النية عذرًا يمنعنا من رؤية أثر أفعالنا. ربما يبدأ الإصلاح حين نتوقف عن المفاضلة بين النية والأثر، ونمنح كليهما مكانه الصحيح.

تكلّمت كثيرًا… ولكن بلا فائدة!الاستشارات النفسية والزوجية والأسرية

Post a comment

Your email address will not be published.

Related Posts