
يواصل الآخرون حياتهم، وأظن أنني الوحيد العالق في أحزاني. أستيقظ في بعض الأيام وأشعر أنني أصبحت أفضل، ثم أعود إلى ما كنت عليه… إلى الحزن نفسه، والأفكار نفسها، وربما إلى السؤال نفسه:
لماذا لم أستطع التعافي حتى الآن؟
أراقب من حولي وهم يواصلون أعمالهم وعلاقاتهم وخططهم، بينما أشعر أن جزءًا مني ما زال واقفًا عند تجربة انتهت في حياة الآخرين، لكنها لم تنتهِ داخلي.
وعندما أتحسن قليلًا، أتعلق بهذا التحسن وأقول لنفسي: انتهى الأمر أخيرًا. ثم يكفي موقف صغير، أو كلمة، أو ذكرى عابرة، لأجد نفسي أعود إلى المشاعر التي ظننت أنني تجاوزتها.
وهنا يبدأ الاتهام:
أنا ضعيف.
أنا أبالغ.
ربما لا أريد أن أتعافى.
لكن هل العودة إلى الألم تعني حقًا أنني عدت إلى نقطة الصفر؟
التعافي لا يسير دائمًا في خط مستقيم. قد نتقدم خطوات، ثم يعيدنا موقف ما إلى شعور قديم، لا لأن كل ما فعلناه قد ضاع، بل لأن بعض الجروح لا تحتاج إلى الوقت وحده؛ تحتاج إلى أن تُفهم ويُتعامل معها بطريقة مختلفة.
هناك فرق بين أن يعود إليك الحزن أحيانًا، وبين أن يظل الحزن يدير حياتك كلها. وفرق بين أن تتذكر ما حدث، وبين أن تعيشه من جديد كل يوم. وفرق بين أن تتعثر في طريق التعافي، وبين أن تكون عاجزًا عنه.
أحيانًا لا تكون المشكلة أنني لم أستطع التعافي، بل أنني وضعت للتعافي صورة واحدة صارمة: أن أنسى تمامًا، وألا أتأثر مرة أخرى، وأن أعود كما كنت قبل التجربة.
لكن بعض التجارب لا تتركنا كما كنا.
والتعافي منها لا يعني أن نمحوها من ذاكرتنا، بل أن نفهم أثرها، ونستعيد ما فقدناه خلالها، ونمنعها من التحكم في حاضرنا وقراراتنا وعلاقاتنا.
وقد نُبطئ تعافينا دون أن ندرك حين نحوله إلى اختبار جديد لقوتنا:
كان يجب أن أكون أفضل الآن.
كان يجب أن أنسى.
كان يجب ألا أتأثر.
هذه العبارات لا تعالج الألم، بل تضيف إليه شعورًا بالذنب والعار. فلا نكتفي بما مررنا به، وإنما نحاكم أنفسنا لأننا لم نتجاوزه بالسرعة التي توقعناها.
ومع ذلك، لا يعني تقبّل بطء التعافي أن نستسلم للألم أو نجعله هويتنا. هناك فرق بين أن أرحم نفسي في أثناء الرحلة، وبين أن أتوقف عن السير.
لذلك، ربما يكون من الأفضل أن أستبدل سؤال: «لماذا لم أستطع التعافي؟» بأسئلة أكثر صدقًا:
- ممَّ أحاول أن أتعافى تحديدًا؟
- ما الذي تغيّر داخلي بعد هذه التجربة؟
- ما الجزء الذي تحسن بالفعل، ولو بدرجة بسيطة؟
- ما المواقف التي ما زالت تعيدني إلى الألم؟
- هل أتعامل مع جذور المشكلة، أم أحاول فقط إسكات أعراضها؟
- هل أحتاج إلى مساندة لا أستطيع تقديمها لنفسي وحدي؟
أحيانًا لا نحتاج إلى مزيد من النصائح، بل إلى مساحة آمنة نفهم فيها ما حدث، ولماذا بقي أثره حاضرًا، وكيف غيّر نظرتنا إلى أنفسنا والآخرين والحياة.
ويمكن للإنسان أن يكون مؤمنًا وقويًا وصابرًا، ويحتاج في الوقت نفسه إلى المساندة. طلب المساعدة لا ينفي التوكل، والاعتراف بالتعب لا يعني الاعتراض، واللجوء إلى متخصص لا يعني أنني فشلت في إنقاذ نفسي.
فلست مطالبًا بأن تنكر ألمك كي تثبت قوتك.
وقد تبدأ القوة الحقيقية حين تتوقف عن محاكمة نفسك، وتعترف بصدق أنك لم تستطع التعافي بالطريقة التي جربتها حتى الآن، وأنك ربما تحتاج إلى طريقة أخرى.
التعافي ليس أن يصبح الماضي كأنه لم يحدث، وإنما أن تتذكره دون أن يهدمك في كل مرة، وأن يعود جزءًا من قصتك بدلًا من أن يظل هو القصة كلها.