حين نفهم خلفية شخص ما، يتغير حكمنا عليه.

نعرف أن قسوته ربما جاءت من بيت لم يعرف التعبير عن المشاعر، وأن شكه مرتبط بخبرات خذلان سابقة، وأن غضبه قد يخفي خوفًا لا يعرف كيف يقوله. فنرى الإنسان وراء السلوك، لا السلوك وحده.

هذا الفهم مهم؛ لأنه يحمينا من التفسيرات السطحية ومن تقسيم الناس إلى طيبين وأشرار. لكنه قد يتحول إلى فخ عندما نستخدمه لإسقاط حقنا في الاعتراض.

«هو يصرخ لأنه مضغوط». «هي تراقبني لأنها خائفة». «هو لا يعتذر لأن أسرته لم تعلمه الاعتذار». قد تكون هذه التفسيرات صحيحة، لكن صحة التفسير لا تجعل السلوك مقبولًا.

السبب يشرح ولا يبرئ دائمًا

هناك فرق بين أن نفهم كيف نشأ السلوك، وأن نقرر كيف سنتعامل معه الآن.

الطفولة الصعبة قد تفسر حساسية الإنسان للنقد، لكنها لا تمنحه حق إهانة من حوله. تجربة الخيانة قد تفسر الخوف، لكنها لا تبرر التفتيش المستمر أو الاتهامات دون دليل. والضغط المادي قد يفسر سرعة الغضب، لكنه لا يجعل الأسرة مطالبة باحتمال التخويف والإذلال.

نحن لا نختار كل ما حدث لنا، لكننا نظل مسؤولين، بقدر استطاعتنا، عن الطريقة التي نتعامل بها مع آثاره. وهذا ينطبق على الطرفين: على من يؤذي أن يراجع سلوكه، وعلى من يتأذى أن يراجع الطريقة التي يحمي بها نفسه دون ظلم أو انتقام.

التعاطف لا يلغي المحاسبة

يخشى بعض الناس أن يكون وضع الحدود نوعًا من القسوة. فإذا رأوا ألم الطرف الآخر، شعروا أن مطالبتهم بالتغيير أنانية. لكن التعاطف الناضج يستطيع الاحتفاظ بحقيقتين معًا: «أنا أرى ألمك، ولا أقبل أن يتحول ألمك إلى أذى لي».

هذه ليست جملة عدائية، بل فصل ضروري بين الشخص وسلوكه. يمكنك أن تحب إنسانًا وترفض طريقته في التعامل. ويمكنك أن تدرك خوفه وتطلب منه ألا يدير العلاقة بالخوف. أما التعاطف الذي لا يترك مساحة للمحاسبة، فقد يساعد السلوك المؤذي على الاستمرار حتى لو كانت النية طيبة.

متى يصبح الفهم وسيلة للهروب؟

أحيانًا ننشغل بتحليل الطرف الآخر لأن ذلك أسهل من اتخاذ قرار. نبحث عن تفسير جديد لكل موقف، ونربط تصرفاته بماضيه وشخصيته وضغوطه، لكننا لا نسأل أنفسنا: ماذا يحدث لي داخل هذه العلاقة؟ هل يوجد اعتراف بالمشكلة؟ هل يتغير السلوك بعد الحوار، أم تتغير التفسيرات فقط؟ هل أصبح فهمي له وسيلة لإقناع نفسي بأنني لا أملك حق الاعتراض؟

ليست كل علاقة صعبة علاقة مؤذية، وليس كل خطأ دليلًا على نمط ثابت. الناس يخطئون، وقد يكررون الخطأ أثناء تعلمهم. المعيار ليس الكمال، بل وجود مسؤولية حقيقية: اعتراف، ومحاولة إصلاح، واستعداد لقبول أثر السلوك على الطرف الآخر.

التسامح لا يعني تعطيل العدل

يدعو الإسلام إلى العفو والإحسان، لكنه لا يطلب من الإنسان أن يسمي الظلم معروفًا. قال تعالى: «لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ»، وقال: «وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ».

جاء العفو مرتبطًا بالإصلاح، لا بترك الأذى يتكرر بلا مراجعة. وقد يكون الإصلاح أحيانًا باستمرار العلاقة بشروط أوضح، وأحيانًا بتقليل الاحتكاك، وأحيانًا بطلب تدخل متخصص.

خطوة عملية

اختر سلوكًا واحدًا يتكرر، واكتب أمامه أربع إجابات:

  1. ما التفسير المحتمل لهذا السلوك؟
  2. ما أثره الفعلي عليّ أو على الأسرة؟
  3. هل يعترف صاحبه بهذا الأثر؟
  4. ما التغيير المحدد الذي أحتاج إلى رؤيته؟

ثم تحدث عن السلوك وأثره، لا عن تشخيص صاحبه أو محاكمته: «أتفهم أن هذا الموقف يثير خوفك، لكن تفتيش هاتفي ليس حلًا مقبولًا. أستطيع أن أتحدث معك عن مخاوفك، وأحتاج أن تتوقف المراقبة».

الفهم يجعل حكمنا أرحم، لكنه لا يطالبنا بإنكار الواقع. ومن الرحمة أحيانًا ألا نترك إنسانًا يواصل إيذاء الآخرين تحت حماية أعذاره.

Related Posts