يحدث خلاف بين زوجين، وبعد ساعة يصبح آلاف الأشخاص أعضاء في لجنة فض المنازعات.

تُنشر الرسالة، أو التسجيل، أو جزء من الحكاية، ثم يبدأ التصويت:

«اطلقي فورًا».

«أنتِ نرجسية».

«هو رجل ضعيف».

«دي مش مشكلة أصلًا».

كل شخص يصدر حكمه من دقيقة فيديو أو منشور كتبه طرف واحد وهو غاضب. ثم يعود صاحب المشكلة إلى بيته محمّلًا بمئات الأحكام، لا بفهم أعمق لما حدث.

السوشيال ميديا قد تمنح الإنسان دعمًا ومعلومات لم يكن يستطيع الوصول إليهما. وقد تساعد شخصًا معزولًا على التعرف إلى سلوك مؤذٍ اعتاد اعتباره طبيعيًا. لكن المنصة لا تتحول بذلك إلى غرفة استشارة، والجمهور لا يصبح قادرًا على تقييم علاقة كاملة.

القصة المنشورة ليست كل العلاقة

صاحب المنشور يروي ما يتذكره، وما يراه مهمًا، وما يستطيع الاعتراف به أمام الناس. وقد تكون روايته صادقة تمامًا من وجهة نظره، لكنها تظل رواية واحدة.

لا نعرف عادةً ماذا سبق الموقف، وهل السلوك عارض أم متكرر، وما الاتفاقات السابقة، وهل يوجد خطر حقيقي، وما الجزء الذي لم يستطع الراوي رؤية مسؤوليته فيه.

هذا لا يعني تكذيب المشتكي، بل يعني الفصل بين الاستماع إلى ألمه وإصدار حكم قاطع على شخص غائب.

الجمهور يكافئ القصة الأشد

المحتوى الهادئ الذي يقول: «المسألة معقدة وتحتاج إلى معلومات» لا ينتشر غالبًا بسرعة الجملة القاطعة.

العناوين التي تمنح اسمًا شريرًا للطرف الآخر تريح القارئ من الحيرة. أما الاعتراف بأن العلاقة قد تحتوي حبًا وأذى، وحقوقًا متعارضة، وأخطاء من الطرفين بنسب غير متساوية، فلا يصلح بسهولة لمنشور قصير.

لذلك قد يتلقى الإنسان النصيحة الأكثر إثارة، لا الأكثر دقة.

الفضفضة العلنية لها تكلفة

قد تهدأ الزوجة بعد أن تجد من يصدقها، أو يشعر الزوج أنه استعاد كرامته بعد أن يؤيده الناس. لكن المنشور يبقى.

قد يراه الأبناء أو الأقارب أو زملاء العمل. وقد يعود الزوجان إلى بعضهما، بينما تظل صورة أحدهما مشوهة أمام جمهور لم يشهد الإصلاح.

ومن أخطر ما يحدث أن يصبح نشر الأسرار أداة ضغط: «إما أن تفعل ما أريد، أو أحكي للناس».

هنا لم نعد أمام طلب دعم، بل أمام نقل ميزان القوة من العلاقة إلى الجمهور.

الستر لا يعني إخفاء الخطر

الحديث عن خصوصية البيوت لا يجوز أن يُستخدم لإسكات من يتعرض للعنف أو التهديد أو الاستغلال.

من يحتاج إلى حماية يطلبها من شخص موثوق أو جهة مختصة، ويوثق ما يلزم بطريقة تحفظ حقه. لكن طلب الحماية يختلف عن عرض الألم على جمهور يبحث عن قصة جديدة.

وفي المرجعية الإسلامية، حفظ السر والستر قيمة، كما أن رفع الظلم وطلب النصرة حق. الحكمة ليست في الصمت المطلق ولا في النشر المطلق، بل في اختيار الشخص والقدر والغاية.

قبل أن تضغط «نشر»

  1. هل أريد فهمًا، أم تأييدًا، أم معاقبة؟
  2. هل يمكن حذف التفاصيل الكاشفة للهوية؟
  3. هل الشخص الذي أستشيره مؤهل أو يعرف السياق؟
  4. هل النشر يزيد الأمان أم يزيد الاشتعال؟
  5. هل أقبل بقاء هذا المحتوى بعد انتهاء الخلاف؟

قد تحتاج إلى أن تتكلم فعلًا. لكن اختر مساحة تستطيع أن ترى الإنسان والمشكلة معًا، لا مساحة تطلب منك اختيار بطل وشرير خلال ثلاثين ثانية.

المرجعية قبل الخوارزمية

في الرؤية الإسلامية، الستر والإصلاح والتثبّت ليست إضافات ثقافية نلصقها بنصيحة نفسية حديثة؛ بل هي الأصل الذي نزن به التصرف. قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا». فقبل أن تمنح منصة عامة سلطة الحكم على زواجك، اسأل: هل جمعت الحقيقة؟ وهل قصدت الإصلاح أم الانتصار؟

وتأتي بحوث العلاقات بعد ذلك لتصف ما نراه في الواقع: الشعور بأن الشريك مفهوم ومُقدَّر، والقدرة على الإصلاح بعيدًا عن التشهير، يرتبطان بعلاقات أكثر أمانًا. العلم هنا لا يمنح الوحي صحته؛ بل يكشف يومًا بعد يوم بعض الحكمة النفسية والاجتماعية فيما قرره الدين أصلًا.

Related Posts